اضطرابات المعالجة الحسية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد / مركز التوحد بصحار

0
إعداد / كريم لقرع أخصائي العلاج الوظيفي بمركز التوحد بصحار

يُعدّ اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder) من الاضطرابات النمائية العصبية والتي ازداد الاهتمام به مؤخرًا، نظرًا لما له من تأثيرات في كافة المظاهر والمجالات للطفل، والتي تتمثل في عجز التواصل والتفاعل الاجتماعي، والاهتمامات والأنشطة المحدودة والاضطرابات الحسية . اضطراب طيف التوحد يعدّ من أصعب أنواع إعاقات النمو؛ نتيجة ما يسببه من خلل وظيفي في معظم الجوانب المرتبطة باللغة والتواصل والنمو الاجتماعي والإدراك الحسي، مما يعيق عمليات التعلم واكتساب القدرات والتفاعل والتواصل مع الآخرين.

وفي ضوء ذلك، يُعرّف اضطراب طيف التوحد بأنه أحد أنواع إعاقات النمو التي تتصف بالعجز المستمر في التواصل والتفاعل الاجتماعي والأنماط المتكررة والمقيدة للسوكيات أو الاهتمامات أو الأنشطة، وتظهر هذه الأعراض في مرحلة الطفولة المبكرة وتستمر، إلا إنها قد تتغير مع تقدم العمر للفرد(APA,2013).

ونتيجة لهذه الأعراض التي أدّت إلى الغموض في فهم وتفسير اضطراب طيف التوحد و تداخله مع مجموعة من الاضطرابات الأخرى؛ فقد جاء الدليل التشخيصي والاحصائي الخامس (DSM-V) الصادر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس بمجموعة من التغييرات التي طرأت على تشخيص اضطراب طيف التوحد في الدليل التشخيصي والاحصائي في نسخته الرابعة، كاستبدال مصطلح اضطراب التوحد باضطراب طيف التوحد. إضافة إلى الاستناد في التشخيص إلى معيارين بدلًا من المعايير الثلاثة السابقة. حيث تتضمن المعايير الجديدة معياري القصور في التواصل الاجتماعي (Communication Social) و التفاعل الاجتماعي ((Interaction Social، والصعوبات في الأنماط السلوكية و الإهتمامات و الأنشطة المحدودة و التكرارية و النمطية، بالإضافة إلى التركيز على معيار الاستجابات غير الاعتيادية للمدخلات الحسية كواحدة من الأعراض السلوكية التي إن وجدت لدى الطفل فهي تعتبر أساسية في تشخيصه (الجابري،2014).

وتعتبر الاضطرابات الحسية Sensory Disorders من أهم المشكلات التي تناولتها الدراسات في السنوات الأخيرة لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث يوصف الاضطراب الحسي بأنه اضطراب عصبي يسبب قصور في معالجة الدماغ للمعلومات الصادرة من المثيرات الخارجية، والتي يترتب عليها صعوبة في إدراك المواقف الحسية التي يتعرض لها الطفل؛ وبالتالي يصبح هناك عجز في توفير استجابات مناسبة لمتطلبات البيئة.

وتشير الدراسات إلى أن نسبة الاضطرابات الحسية لدى أطفال اضطراب طيف التوحد تتراوح من (42% – 88% ) مما ينتج عنه تأثير سلبي على النمو في عدة مجالات (الاجتماعية، المعرفية، اللغة و التواصل، الحركية، والأكاديمية) والذي يترتب عليه صعوبة لدى أطفال اضطراب طيف التوحد في التكيف مع البيئة المحيطة بهم؛ وبالتالي صعوبة الوصول إلى الاستقلالية وتحسين مستوى الاعتماد على الذات الذي تهدف إليه جميع برامج التدخل.

إن معالجة المعلومات بشكل تكاملي تبدأ من الإحساس بالمؤثرات الخارجية، ثم نقل المعلومات إلى مراكز الإحساس بالدماغ عن طريق الجهاز العصبي حيث تتحول هذه الإحساسات إلى معاني ورموز تمّكن من تدعيم الاستجابات الناجحة للفرد وتساعده على التكيف مع متطلبات البيئة، بينما نجد الطفل الذي يعاني من اضطراب طيف التوحد تكمن مشكلته في عدم ترابط الحواس وعمل كل حاسة بشكل منفصل، بشكل لا يسمح بإدراك حسي سليم. وذلك يؤدي إلى خلل في استقبال المعلومات ومن ثم ترجمتها إلى استجابات غير متلائمة مع متطلبات المدخل الحسي أو البيئة، وكل ذلك يؤدي إلى خلل في العمليات العقلية وعملية التعلم بالشكل الصحيح (موسى،2013).

أما من حيث أسباب اضطرابات المعالجة الحسية؛ فقد أشار الباحثين إلى أنه لم يتم حتى الآن تحديد السبب الدقيق لاضطرابات المعالجة الحسية، بينما تشير بعض الدراسات والأبحاث الأولية إلى أن اضطراب التكامل الحسى في كثير من الأحيان له أسباب بيولوجية. الجدير بالذكر أنّ هذه الاضطرابات إما أن تظهر على شكل حساسية مفرطة تجاه المثيرات تجعلهم أكثر حساسية للمثيرات الحسية من معظم العاديين، أو على شكل حساسية منخفضة فتكون استجابتهم للمثيرات الحسية أقل من معظم العاديين ولا يستجيبون للمثيرات الشديدة ولا يتأثرون بها.

مظاهر الاضطرابات الحسية

تؤثر اضطرابات المعالجة الحسية عند أطفال اضطراب طيف التوحد على أحد الأجهزة الحسية المستقبلة للمثيرات الخارجية أو جميعها، فقد تظهر أعراض الاضطرابات الحسية في حاسة البصر من خلال تغطية الطفل العينين لتجنّب رؤية بعض الألوان والأشياء، إضافة إلى صعوبات في التواصل البصري والإنتباه المشترك، كما تظهر في حاسة السمع على شكل تغطية الأذنين لتجنّب بعض الأصوات الطبيعية، الصراخ، أو البحث عن مثيرات سمعية عالية، في حين تؤثر تلك الاضطرابات على حاسة اللمس على شكل بعض السلوكيات الشاذة مثل رفض الاحتضان، واستجابات مفرطة لملمس بعض الأقمشة، واستجابات مضطربة في بعض مهارات الحياة اليومية مثل قص الشعر وتفريش الأسنان والاستحمام،لا يشعر باحساس الألم والحرارة وغيره، بالإضافة إلى ظهور بعض الأعراض على بعض جوانب التوازن مثل: صعوبة القدرة على ضبط التوازن، و ضعف التخطيط الحركي، و ظهور حركات نمطية متكررة مثل الدوران و رفرفة اليدين،  وقد تظهر أعراض هذا الإضطراب في حاسة الوعي بالجسم (الحس العميق) وهي مرتبطة بالعضلات والمفاصل، عن طريق صعوبة في تقييم حجم الفراغ الذي يحتاجونه للوصول إلى نقطة معينة، وصعوبة الـتحكم في العـضلات الـصغرى بـالأخص مـسك القلـم، ومهارات الكتابة  (نصر، 2014).

كيف يحدث التكامل الحسي؟

وحتى تتضح الرؤية أكثر فإنه  توجد خمسة عناصر مترابطة تساعد على فهم كيفية حدوث التكامل الحسي  و تتمثل هذه العناصر كما يذكرها كلاً من ( زكريا، 2017؛ ربحاوي، 2017) كالآتي:

  1. التسجيل الحسي (Sensory Registration):

تبدأ عملية التسجيل الحسي منذ بداية دخول المثير الحسي حيث نصبح مدركين لهذا الحدث الحسي، وفي حالة أطفال ذوي اضطراب طيف التوحد قد يكون لديهم ضعف في تسجيل المعلومات الحسية، الجدير بالذكر أن عدم الاستجابة قد يكون بسبب شدة الحساسية للمثير الحسي أو لأن الجهاز العصبي تم إغلاقه للحماية من المثير الحسي القادم.

  1. التوجيه (Orientation):

في هذه المرحلة يتم التركيز على المدخل الحسي بعد تسجيله والإنتباه له وإدراكه لتحديد أي من المعلومات تحتاج إلى إنتباه وإدراك وأي منها يمكن تجاهلها. وذلك يتم عن طريق عمليات التعديل Modulation والتثبيط Inhibition والتيسير Facilitation .

حيث فسّرت نصر (2017) المقصود بهذه العمليات كالتالي: التعديل: أن يقوم المخ بتنظيم الأنشطة والمهام عن طريق توجيه المفاتيح العصبية إما على وضع التشغيل أو التوقف وفقًا لمستوى النشاط. والتثبيط: أن يقوم المخ بإضعاف الروابط الموجودة بين المدخل الحسي والمخرج السلوكي وذلك عند عدم الحاجة إلى تلك المعلومات الحسية لأداء مهمة محددة. بينما يقصد بالتيسير: أن يقوم المخ بتقوية الروابط بين المدخل الحسي والمخرج السلوكي عن طريق إرسال رسائل الإستياء (مثل الشعور بالدوار) أو رسائل السرور(مثل الشعور بالهدوء) .

  1. التفسير (Interpretation):

تأتي مرحلة التفسير أو الإدراك بمثابة ترتيب لكل المعلومات المدخلة للحصول على ردّة فعل ونتيجة، فالقدرة على تفسير المعلومات الحسية تتيح لنا كيفية الرد، بينما عند الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يتم تفسير المعلومات الحسية باستمرار على أنها مثيرات جديدة أو غير مألوفة وذلك ما يفسّر سبب تمسكهم بالروتين ورفض التغيير.

  1. تنظيم الاستجابة (Organization Of Response):

تؤثر الصعوبات في المراحل السابقة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد على قدرتهم على تنظيم الاستجابة للمدخل الحسي، و لذلك فإن كثيرًا من الاستجابات تكون مبالغ فيها إذا ما تم تفسير المدخل الحسي على أنه مؤذي. بالإضافة إلى تداخل التطور الإدراكي والانفعالي غير الطبيعي مع القدرة على تنظيم الاستجابة.

  1. تنفيذ الاستجابة (Execution Of Response):

تعتبر عملية التنفيذ بمثابة المرحلة الأخيرة للتكامل الحسي، كما أنه تتنوع الاستجابة للمدخلات الحسية ما بين استجابات إدراكية، حركية و انفعالية. الجدير بالذكر أن القدرة على تفيذ الاستجابة المناسبة تعتمد على جميع العناصر السابقة بالإضافة إلى قدرات التخطيط الحركي.

و أخيراً

إن فهم هذه المشكلات و تداعياتها يلزمنا كمختصين أو مقدمين للرعاية أو آباء وأمهات إلى فهم أسباب ردود أفعال الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ، وإجراء التدخل المناسب  من خلال تصميم البرامج والممارسات المبنية على البراهين، وتقديم المساعدة لهم والعمل على تعزيز ثقتهم بأنفسهم وتنمية حب الذات لديهم لمساعدتهم على التكيف مع متطلبات البيئة والتفاعل مع الآخرين بالطريقة الصحيحة للوصول إلى الهدف الأسمى لتلك البرامج والتصميمات وهو رفع تحسين مستوى الاستقلالية لذوي اضطراب طيف التوحد .

المراجع:

أنور الحمادي. (2014). خلاصة الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للإضطرابات العقلية DSM-V .

بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.

إلين ياك، باولا أكيلا، شيرلي سوتون. (2017). بناء الجسور من خلال التكامل الحسي. (منير زكريا،مترجم).الرياض: Sensory World.

بهاء الدين جلال. (2016). الخلل في الحواس لدى اضطراب التكامل الحسي. تم الاسترداد من برنامج  هيلب وبوب: http://www.help-curriculum.com/?p=3085.

بهاء الدين جلال. (2016). أنماط الاضطراب الحسية. تم الاسترداد من برنامج هيلب وبوب:

http://www.help-curriculum.com/?p=3112.

محمد الجابري (2014).التوجھات الحديثة في تشخيص اضطرابات طيف التوحد في ظل المحكات

التشخيصية الجديدة. ورقة عمل مقدمة للملتقى الأول للتربية الخاصة : الرؤى والتطلعات المستقبلية.

جامعة تبوك، تبوك، المملكة العربية السعودية.

سهى أحمد نصر. (2014) بناء مقياس للكشف عن اضطرابات المعالجة الحسية و التحقق من فاعليتها في

         عينة من الأطفال العاديين و ذوي اضطراب طيف التوحد و ذوي اضطراب ضعف الانتباه و النشاط

الحركي المفرط. مجلة الطفولة والتربية، 9(16)، ص 285-347.

فداء البهباني، وأحمد خزاعلة. (2017) مستوى الوعي الذاتي وعلاقته بنوعية الحياة لدى والدي أطفال

اضطراب طيف التوحد في محافظة العاصمة عمان، رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة عمان

العربية، عمان. مسترجع من http://search.mandumah.com/Record/857670.

الفرحاتي السيد محمود، و فاطمة سعيد الطلي. (2017). تشخيص ذاكرة الأطفال ذوي اضطرابات طيف التوحد في ضوء محكات تشخيص الإصدار الخامس للدليل الإحصائي الأمريكي. مجلة التربية الخاصة، 5(18)، ص 318-382.

فراج السيد توفيق. (2014). الصعوبات الحسية عند أطفال التوحد. صحيفة البيان.

ليلى عبدالكريم ربحاوي. (2017). المعالجة الحسية المدخل الرئيس لتنمية مهارات الطفل التوحدي. المؤتمر

العلمي المهني العربي( تعليم ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة)- الواقع والممارسة المهنية, p. 3. المنيا.

نعمات عبدالمجيد موسى. (2013). برنامج تدخل مبكر قائم على التكامل الحسي لتنمية مهارات الأمن الجسدي. مجلة أطفال الخليج(13). تم الاسترداد من http://gulfdisability.org/pdf/M13-G4d.pdf

American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and Statistical Manual

(5th Edition). Washington. DC: APA.

Baranek GT, David FJ, Poe MD, Stone WL, Watson LR (2006) “Sensory

Experiences.

اترك تعليقاً